محمد جواد مغنية
167
في ظلال نهج البلاغة
للمنبر - في الرزق : كتب كثيرا عن الرزق وأسبابه في « التفسير الكاشف » . . أنظر فقرة « الرزق وفساد الأوضاع » في تفسير الآية 66 من سورة المائدة ، وفقرة « هل الرزق صدفة أو قدر » في تفسير الآية 100 من هذه السورة ، وفقرة « الانسان والرزق » عند تفسير الآية 26 من سورة الرعد ، وفقرة « الرزق والثقة بالمخلوق دون الخالق » عند تفسير الآية 60 من سورة العنكبوت ، وفقرة « الرزق بالعمل لا بالدعاء » عند تفسير الآية 27 من الشورى . والآن أعود إلى هذا الموضوع للمرة السادسة ، وبعد التأمل والتفكير العميق ، وتتبع الآيات والروايات ، وبعد التجارب مرات ومرات - انتهيت إلى الإيمان القاطع بأنه لا يحدث شيء في الوجود من جليل أو حقير إلا وللَّه فيه قضاء وتدبير . وهذا هو الأصل الأول ، والمبدأ الأساسي لعقيدتي في كل الميادين ، وفلسفتي لكل بحث أتكلم فيه أيا كان نوعه وموضوعه . وليس معنى هذا ان اللَّه سبحانه يتولى كل صغيرة وكبيرة بنفسه مباشرة وبلا واسطة ، بل معناه ان كل شيء خاضع لسلطانه تعالى ، وانه لا شيء يحدث في الأرض والسماء قسرا لإرادته ، ولكنه ، جلت حكمته ، شاء أن يربط المسببات بأسبابها ، والنتائج بمقدماتها ، وهو تعالى القوة المبدعة لكل مقدمة وسبب ، ويعني هذا ان اللَّه يقسم الأرزاق ، ولكن عن طريق العمل ، ويهب الأولاد بواسطة الزواج ، ويمنح الشهرة والجاه لأهل العلم والموهبة والخدمات الانسانية . . وهكذا كل جهد يبذله الانسان يمكن أن يحقق النتائج المقصودة بمشيئة اللَّه تعالى ، لأنه هو الذي خلق الكون بما فيه ، ولو شاء لذهب به وبما يحويه . وتسأل : أليس معنى هذا ان الانسان مسيّر لا مخيّر ، وبالتالي انه غير مسؤول أمام اللَّه عن سلوكه وأفعاله الجواب : إن اللَّه سبحانه منح الانسان العقل والقدرة والإرادة ، وبالعقل يميز ، وبالقدرة بفعل ، وبالإرادة يستطيع أن يختار أحد النجدين : طريق الخير ، وطريق الشر : ويسلك أيهما شاء . وعلى هذا يكون للانسان شيء من الحرية يستتبع المسؤولية أمام اللَّه . . وقد تكلمنا عن ذلك مفصلا في 66 صفحة من كتاب : « فلسفة التوحيد والولاية » بعنوان « فلسفة الاختيار » .